سهيلة عبد الباعث الترجمان

527

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

عربي أنه لو كان حقا يجمع بين الفلسفة والتصوف لظهر بمظهر الفيلسوف المتأله الذي يجمع بين العظمة الفكرية وجزالة المعنى وعمق التفكير وغموضه ويستند إلى المنطق كآلة في ضبط ذلك ، ولكنا كما تبينا من خلال عرضنا لمذهبه أنه صوفي ملتزم بالشرع ، ومنهجه الذوق والوجدان ، وآلته الكشف والمشاهدة ، ومعرفته متجهة نحو حقيقة الذات الإلهية وما تنطوي عليه من الأسرار والحقائق التي يسعى الصوفي بمجاهداته ورياضته الروحية للتحقق بها والوصول إلى معرفة كنهها وماهيتها . وهذا لا يحصل إلا لصاحب الأنفاس الإلهية في معارجها الروحية كما يصورها ابن عربي حيث يقول : " الأنفاس العلوية تعرج إليها الأرواح البشرية فتخترق السماوات العلى إلى سدرة المنتهى ، إلى النور الأجلى ، إلى المورد الأملى ، إلى الموقف الأسنى ، إلى المكانة الزلفى ، إلى الجنة المأوى ، إلى المستوى الأعلى ، إلى العقل الأسمى ، إلى حجاب العزة الأحمى ، إلى الأسماء الحسنى بالمقام الأبهى والمحل الأزهى ، إلى أن دنا من قاب قوسين أو أدنى ، فهناك يبلغ المنى " « 1 » . هكذا كان شأن ابن عربي في تحققه بالعلم اللدنّي وذلك نتيجة معراجه الروحي ، فهل كان هكذا شأن الفلاسفة في كسبهم لعلومهم وتحصيلهم لها ، أم كان الفكر والنظر وسيلتهم في ذلك ، وقد نبّه ابن عربي إلى ذلك حيث قال : لأن علوم القوم ذوق وخبرة * وهذه علوم ليس تدرك بالفحص « 2 » فنبّه بذلك إلى أن طبيعة هذا العلم لا تحقق المعرفة الحقيقية لأن صاحب الفكر ليس بصاحب حال ولا ذوق وأن الاشتغال بالفكر حجاب ، ولذا ينفي أن تكون علومه من هذا القبيل فقال : " إن علومنا وعلوم أصحابنا ليست من طريق الفكر وإنما هي من الفيض الإلهي . . . " « 3 » وقوله : " جميع علومنا من علوم الذوق لا من العلم بلا ذوق ، فإن علوم الذوق لا تكون إلّا عن تجل إلهي ، والعلم قد يحصل لنا بنقل الخبر الصادق وبالنظر الصحيح " « 4 » ، وطريق ذلك المكاشفة ، والعقل قاصر عن درك ذلك ، فحدد بذلك طريق

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 418 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الرابع ، ص . ص 116 - 117 . ( 3 ) الشعراني ، اليواقيت والجواهر ، مصدر سابق ، الجزء الأول ، ص 25 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 25 .